فخر الدين الرازي
213
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا * أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا ) * اعلم أنه تعالى جمع في هذه الآية خمسة وعشرين نوعاً من التكاليف . فأولها : قوله : * ( ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ) * ( الإسراء : 22 ) وقوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) * ( الإسراء : 23 ) مشتمل على تكليفين : الأمر بعبادة الله تعالى ، والنهي عن عبادة غير الله ، فكان المجموع ثلاثة . وقوله : * ( وبالوالدين إحساناً ) * ( الإسراء : 23 ) هو الرابع ، ثم ذكر في شرح ذلك الإحسان خمسة أخرى وهي : قوله : * ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما ) * ( الإسراء : 23 ، 24 ) فيكون المجموع تسعة ، ثم قال : * ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) * وهو ثلاثة فيكون المجموع اثني عشر . ثم قال : * ( ولا تبذر تبذيراً ) * ( الإسراء : 26 ) فيصير ثلاثة عشر . ثم قال : * ( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً ) * وهو الرابع عشر ثم قال : * ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) * ( الإسراء : 28 ، 29 ) إلى آخر الآية وهو الخامس عشر ، ثم قال : * ( ولا تقتلوا أولادكم ) * ( الإسراء : 31 ) وهو السادس عشر ، ثم قال : * ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) * وهو السابع عشر ثم قال : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا ) * وهو الثامن عشر ، ثم قال : * ( فلا يسرف في القتل ) * ( الإسراء : 33 ) وهو التاسع عشر ، ثم قال : * ( وأوفوا بالعهد ) * ( الإسراء : 34 ) وهو العشرون . ثم قال : * ( وأوفوا الكيل إذا كلتم ) * وهو الحادي والعشرون ، ثم قال : * ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) * ( الإسراء : 35 ) وهو الثاني والعشرون ، ثم قال : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * ( الإسراء : 36 ) وهو الثالث والعشرون ، ثم قال : * ( ولا تمش في الأرض مرحاً ) * ( الإسراء : 37 ) وهو الرابع والعشرون ، ثم قال : * ( ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ) * وهو الخامس والعشرون ، فهذه خمسة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواه جمعها الله تعالى في هذه الآيات وجعل فاتحتها قوله : * ( ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولاً ) * ( الإسراء : 22 ) وخاتمتها قوله : * ( ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهم ملوماً مدحوراً ) * . إذا عرفت هذا فنقول : ههنا فوائد : الفائدة الأولى ؛ قوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من التكاليف وسماها حكمة ، وإنما